تعد “مجموعة أبحاث المؤتمر الدولي السابع لنخيل التمر” (Proceedings of the VII International Date Palm Conference)، المنشورة ضمن سلسلة “Acta Horticulturae” العدد 1371، واحدة من أهم المراجع العلمية الحديثة في قطاع زراعة النخيل وإنتاج التمور عالمياً. يوثق هذا الكتاب الأبحاث التي عُرضت في المؤتمر الذي أقيم في أبوظبي، الإمارات العربية المتحدة، في الفترة من 14 إلى 16 مارس 2022، تحت رعاية سمو رئيس دولة الإمارات، وبتنظيم من جائزة خليفة الدولية لنخيل التمر والابتكار الزراعي.
في هذا المقال، سنستعرض محتويات هذا الكتاب الضخم، والدور المحوري الذي لعبه المحررون والمؤلفون في إخراجه، مع التركيز على الابتكارات العلمية التي يقدمها لتطوير هذا القطاع الحيوي.
أولاً: دور المحررين واللجان العلمية
لم يكن خروج هذا العمل العلمي للنور ممكناً لولا الجهود المضنية التي بذلها المحررون الرئيسيون: أ. زايد، وغ. أ. الحضرمي، وس. ميترا. هؤلاء الخبراء لم يكتفوا بجمع الأبحاث، بل أشرفوا على عملية مراجعة علمية دقيقة (Peer-reviewed) لضمان جودة الأوراق المنشورة ومطابقتها للمعايير العالمية لجمعية الدولية لعلوم البساتين (ISHS).
- أ. زايد (A. Zaid): يشغل منصب الأمين العام لجائزة خليفة الدولية لنخيل التمر والابتكار الزراعي، وله دور قيادي في تنسيق الجهود الدولية لتطوير النخيل.
- غ. أ. الحضرمي (G.A. Alhadrami): يمثل جامعة الإمارات العربية المتحدة، ويعد من الأكاديميين البارزين في دعم الأبحاث الزراعية.
- س. ميترا (S. Mitra): عضو سابق في مجلس إدارة ISHS من الهند، مما أضفى صبغة دولية واسعة على التحرير العلمي.
قامت اللجان العلمية والتنظيمية، التي ضمت خبراء من منظمات دولية مثل الفاو (FAO) وايكاردا (ICARDA) وأكساد (ACSAD)، باختيار المتحدثين الرئيسيين والأوراق البحثية الأكثر تأثيراً لتشملها هذه المجلدات.
ثانياً: “المجدول” – جوهرة التمور ومحور البحث العالمي
يفرد الكتاب فصلاً كاملاً ومكثفاً لصنف “المجهول” (Medjoul)، الذي يوصف بأنه “ملك التمور” أو “الماس الفواكه”. تتناول الأبحاث أصل هذا الصنف وتوزيعه الجغرافي وتقنيات زراعته وتسويقه.
1. الأصل والرحلة الدولية: أثبتت تحاليل الحمض النووي (DNA) أن صنف المجهول هو صنف محلي مغربي نشأ في وادي تافيلالت بمديرية الرشيدية. في القرن السابع عشر، كان يُباع بأسعار مرتفعة في أسواق إنجلترا وإسبانيا. ومع ذلك، دمر مرض “البيوض” مساحات واسعة من مزارع المجدول في المغرب. الرحلة الدولية بدأت عام 1927 عندما قام العالم “والتر سوينجل” بنقل 11 فسيلة من المغرب إلى الولايات المتحدة لإنقاذ الصنف من الانقراض، ومن تلك الفسائل نمت صناعة المجهول الضخمة في كاليفورنيا وأريزونا وانتقلت لاحقاً إلى المكسيك والأردن وإسرائيل وأستراليا وجنوب أفريقيا ومصر.
2. الإنتاج العالمي: يشير الكتاب إلى أن الإنتاج العالمي للمجهول في عام 2020 قُدر بنحو 108,498 طن. وتتصدر إسرائيل الإنتاج العالمي بنسبة 41.48%، تليها الولايات المتحدة بنسبة 14.75%، ثم المكسيك وفلسطين والأردن. ومن المتوقع أن يزداد الإنتاج بشكل هائل مع دخول ملايين النخيل الجديدة في المغرب ومصر مرحلة الإنتاج.
3. المتطلبات البيئية وزراعته في مناطق جديدة: كشفت الأبحاث أن المجهول يفضل البرودة في الشتاء والحرارة العالية خلال فترة عقد الثمار حتى الحصاد. وتختلف خصائص الثمار (كالجفاف واللين واللون) بناءً على الرطوبة النسبية والوحدات الحرارية التراكمية في منطقة الزراعة. فبينما تنتج المدينة المنورة تمور مجهول جافة بسبب انخفاض الرطوبة، تنتج منطقة بودنيب في المغرب مجهولاً ليناً.
ثالثاً: مكافحة سوسة النخيل الحمراء – تحديات وحلول مبتكرة
تعد سوسة النخيل الحمراء (Rhynchophorus ferrugineus) الآفة الأكثر تدميراً للنخيل عالمياً، حيث تُقدر الخسائر السنوية في دول البحر المتوسط بنحو 480 مليون يورو. يقدم الكتاب استراتيجيات متطورة لمواجهة هذه الآفة:
1. التكنولوجيا الحديثة:
- استخدام الموجات الميكروية (Microwave): أثبتت الدراسات فاعلية تسخين أنسجة النخيل بالميكروويف لقتل اليرقات داخل الجذع دون الإضرار بالشجرة، مما يعد بديلاً بيئياً للمبيدات الكيميائية.
- تقنية التدخل في الحمض النووي (RNAi): تم تطوير علاج بيولوجي يعتمد على تتابع (dsRNA) يستهدف جينات حيوية في السوسة، مما يؤدي لموت اليرقات، وهي تقنية واعدة قيد التسجيل في إسرائيل.
- الاستشعار عن بعد والذكاء الاصطناعي: تم عرض تطبيقات مثل تطبيق “سوسة حمراء” (Susa Hamra) التابع للفاو، الذي يستخدم نظم المعلومات الجغرافية (GIS) لتتبع الإصابات والمصائد في الوقت الفعلي.
2. المكافحة الحيوية والكيميائية: أظهرت التجارب في سوريا أن عزلات محلية من فطر Beauveria bassiana حققت نسبة قتل وصلت إلى 100% لليرقات والحشرات الكاملة. كما تم ابتكار تقنية تبخير جديدة في السعودية باستخدام غطاء بلاستيكي محكم الإغلاق لضمان بقاء الغاز السام (مثل الفوسفين) داخل الجذع لقتل كافة أطوار الحشرة في 5 أيام.
رابعاً: زراعة الأنسجة والتكنولوجيا الحيوية
يستعرض الكتاب الدور المحوري لزراعة الأنسجة في إعادة تأهيل الواحات، وخاصة في المغرب من خلال “مخطط المغرب الأخضر”.
- مختبرات زراعة الأنسجة: يمتلك المغرب 8 مختبرات تنتج سنوياً حوالي 400 ألف نبات، 80% منها من صنف المجهول.
- تحديد الجنس مبكراً: من أهم الابتكارات المعروضة هي “أطقم Easy-PCR-XY” التي تتيح للمزارعين معرفة جنس النخلة (ذكر أم أنثى) في مراحل النمو المبكرة جداً، مما يوفر تكاليف زراعة الذكور غير المنتجة للثمار.
خامساً: الممارسات الزراعية والابتكارات الميكانيكية
لا يغفل الكتاب الجوانب التقنية التي ترفع الكفاءة الإنتاجية:
- الري الناقص (Deficit Irrigation): أظهرت دراسات في السعودية أن تحديد الاحتياجات المائية الفعلية للنخيل واستخدام الري الناقص يمكن أن يحسن كفاءة استخدام المياه بنسبة كبيرة في المناطق القاحلة.
- المكننة: تم تصميم وتصنيع “سكين اهتزازي آلي” لقص سعف النخيل، مما يقلل الوقت والجهد والعمالة المطلوبة لعمليات التقليم السنوية.
- عمليات التخفيف (Thinning): أثبتت التجارب في الأردن أن تخفيف الثمار بنسبة 50% أو تقصير الشماريخ يؤدي لتحسين حجم الثمار وزيادة نسبة السكريات وتقليل ظاهرة “انفصال القشرة” في صنف المجهول.
سادساً: القيمة المضافة والصناعات التحويلية
يركز الكتاب على أهمية الاستفادة من مخلفات النخيل والتمور منخفضة الجودة لتحقيق عوائد اقتصادية إضافية:
- المنتجات الغذائية: تم استعراض تجارب لإنتاج مربى التمر، وتدعيم البسكويت بمسحوق التمر بنسبة تصل لـ 20%، وتطوير زبادي منكه بدبس التمر.
- المكملات الغذائية: تم استخدام مسحوق نوى التمر المنبت لإنتاج مكملات غذائية غنية بالبروتين والأحماض الأمينية.
- تغذية الحيوان: في السودان، أثبتت الدراسات أن إضافة مسحوق نوى التمر لعلائق الدواجن بنسبة 2% تحسن من نمو الطيور وجودة اللحم وتوفر بديلاً رخيصاً للأعلاف التقليدية.
- الصناعات غير الغذائية: كشفت الأبحاث عن إمكانية إنتاج خشب مضغوط (MDF) عالي الجودة من سعف النخيل، وإنتاج الخل المعطر، واستخراج زيوت طبية من النوى.
سابعاً: تقارير الدول – واقع النخيل في العالم
يقدم الكتاب نظرة شاملة على وضع النخيل في دول مختلفة:
- مصر: أكبر منتج للتمور في العالم، مع توجه قوي لزراعة المجهول في مشروعات قومية كبرى تضم ملايين النخيل.
- السودان: يمتلك حوالي 19 مليون نخلة، وتوجد فرص هائلة لتطوير الصناعات التحويلية والمشروبات (مثل الشربوت) والوقود الحيوي.
- إريتريا: بدأ قطاع النخيل بالازدهار حديثاً مع إدخال 19 ألف شتلة نسيجية وتدريب المزارعين على الممارسات الزراعية الجيدة.
- الهند: تعد أكبر مستورد للتمور عالمياً، وبدأت مؤخراً بتطوير زراعة النخيل النسيجي في المناطق القاحلة مثل راجستان.
ثامناً: الخاتمة وأهمية الكتاب للمكتبة الزراعية
إن كتاب “وقائع المؤتمر الدولي السابع لنخيل التمر” ليس مجرد تجميع للأبحاث، بل هو خارطة طريق لمستقبل استدامة النخيل. تكمن قيمة الكتاب في جمعه بين الأصالة (دراسة تاريخ وأصل الأصناف) والمعاصرة (استخدام الذكاء الاصطناعي وتقنيات النانو في المكافحة والري).
إن الدور الذي لعبه المؤلفون من مختلف أنحاء العالم يجسد “منصة الابتكار” التي يسعى المؤتمر لترسيخها، حيث يتبادل الباحثون النتائج التي تخدم المزارع والمستثمر وصانع القرار. هذا المجلد ضروري لكل مهندس زراعي، وباحث في علوم الأغذية، ومستثمر في قطاع التمور، حيث يوفر الأساس العلمي لتعظيم الاستفادة من هذه الشجرة المباركة ومنتجاتها.
بإصدار هذا المجلد في يونيو 2023، أصبحت المعرفة العلمية المتقدمة متاحة للجميع، مما يساهم في تعزيز الأمن الغذائي ومواجهة التغيرات المناخية في المناطق القاحلة وشبه القاحلة حول العالم.
